مجمع البحوث الاسلامية
59
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ، فقالت طائفة : ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع . وحكى مكّيّ أنّ المراد بقول ( ما تُبْدُونَ ) قولهم : ( أَ تَجْعَلُ فِيها ) الآية . وقال الزّهراويّ : ما أبدوه هو بدارهم بالسّجود لآدم . ( 1 : 123 ) ابن عربيّ : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ من عملكم بمفاسد الإنسان ، وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ من ترجيحكم ذواتكم عليه ، لنزاهتها وتقدّسها . ( 1 : 38 ) الطّبرسيّ : قيل : فيه أقوال : أحدها : أنّه أراد أعلم سرّكم وعلانيتكم ، وذكر ذلك تنبيها لهم على ما يحيلهم عليه من الاستدلال ، لأنّ الأصول الأول الّتي يستدلّ بها انّما تذكر على وجه التّنبيه ، ليستخرج بها غيرها ، فيستدلّ بعلمه الغيب على أنّه خلق عباده على ما خلقهم عليه ، للاستصلاح في التّكليف وما توجبه الحكمة . وثانيها : أنّه أراد واعلم ما تُبْدُونَ من قولكم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ، وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ، من إضمار إبليس المعصية والمخالفة . قال عليّ بن عيسى : وهذا ليس بالوجه ، لأنّ الخطاب للملائكة وليس إبليس منهم ، ولأنّه عامّ فلا يخصّ إلّا بدليل . وجوابه أنّ إبليس لمّا دخل معهم في الأمر بالسّجود ، جاز أن يذكر في جملتهم . وقد رويت روايات تؤيّد هذا القول ، واختاره الطّبريّ . وثالثها : أنّ اللّه تعالى لمّا خلق آدم مرّت به الملائكة ، قبل أن ينفخ فيه الرّوح ، ولم تكن رأت مثله ، فقالوا : لن يخلق اللّه خلقا إلّا كنّا أكرم منه وأفضل عنده ، فهذا ما أخفوه وكتموه . وأمّا ما أبدوه فقولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ، روي ذلك عن الحسن . والأوّل أقوى لأنّه أعمّ . ( 1 : 79 ) البيضاويّ : استحضار لقوله : أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ البقرة : 30 ، لكنّه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجّة عليه ، فإنّه تعالى لمّا علم ما خفي عليهم من أمور السّماوات والأرض ، وما ظهر لهم من أحوالهم الظّاهرة والباطنة ، علم ما لا يعلمون . وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى ، وهو أن يتوقّفوا مترصّدين لأن يبين لهم . وقيل : ( ما تُبْدُونَ ) قولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ، ( وما تكتمون ) ، استنباطهم أنّهم أحقّاء بالخلافة ، وأنّه تعالى لا يخلق خلقا أفضل منهم . وقيل : ما أظهروا من الطّاعة ، وأسرّ إبليس منهم من المعصية . ( 1 : 47 ) نحوه البروسويّ . ( 1 : 102 ) أبو حيّان : قال عليّ وابن مسعود وابن عبّاس رضوان اللّه عليهم أجمعين : ( ما تُبْدُونَ ) الضّمير للملائكة ، وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يعني إبليس ، فيكون من خطاب الجمع ، ويراد به الواحد ، نحو إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ الحجرات : 4 . وروي أنّ إبليس مرّ على جسد آدم بين مكّة والطّائف ، قبل أن ينفخ فيه الرّوح ، فقال : لأمر مّا خلق